لا أجدُ مبررًا لكل متنمِّرٍ يَتنمَّرُ علىٰ أخيه سواءً كان أخًا في الإسلام، أم في الوطن، أم في الآدمية، وما أكثرُ المتنمِّرينَ في هذا الزمن.
لن أروي قصةً بعينها، ولن أذكر شخصًا بعينه، بل أتحدَّثُ بصفةٍ عامة، وأخصّ بحديثي تلكَ الفئة التي خلقهم الله لشيء، وخالفوه بفعلِ أشياءٍ أُخرىٰ، لِمن يرونَ عيوبَ الناسِ، ولا يَرونَ عيوبهم، لِمن شغلوا أنفسهم بأمورِ الناسِ، ونسوا أمورهم، لِمن عابوا الناس، ولم يُعيبوا أنفسهم، لِمن طعنوا في خلق اللهِ لأولئِكَ الأشخاص المصابون بشيءٍ ما يُغيّرُ من طبيعتهم ولو لأشياءٍ قليلة، ولم يَطعنوا في خِلقتهم.
فلكلٍ منَّا خِلقتهُ التي خلقهُ الله بها، وميَّزه، وفضَّله عنده، ولم يُفضِّلهُ عن غيره إلا بطاعتهِ وتقواه!
فما نحنُ إلَّا خلفاءٌ للهِ في أرضهِ نتبعُ ما أمر به، ونتجنب ما نهىٰ عنه، ومن يفعلُ غير ذلك فهو مخالفٌ لله، ولأوامره، نحنُ خُلقنا من طينٍ، وإلىٰ الطينِ نعود، فلمَ أجرحُ هذا بكلمةٍ تُسيئه، وتؤلِمه، وتفتحُ مجالًا في ذهنهِ للتفكير كيف ولماذا أنا؟
لماذا لا أُشبههم، ولمَ لَم أُخلق مِثلهم؟
لماذا هم مكتملونَ الخِلقة، وأنا وُلدّت بشيءٍ عابني منذ جئتُ للدنيا وأنا أعاني!
لا يعيبك شيءٌ يا عزيري، لا يَعيبُ المرء سوىٰ فقر دينهِ، وضياعُ أخلاقه، وسوىٰ ذلكَ لا يُعدُّ عيبًا، فالتشوّه الخِلقي ليس عيبًا، وكذلك أي إعاقة للفرد خُلقَ بها ليست عيبًا.
الله عزّ وجل يقول: {اللَّه الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَن صُوَركُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَات ذَلِكُمْ اللَّه رَبّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ}
ومعنىٰ: صوركم فأحسن صوركم.
أي خلقكم في أحسن الأشكال ومنحكم أكملَ الصور في أفضل تقويم.
ويقول أيضًا:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
ويقول نبينَا- صلَّىٰ اللهُ عليهِ وسلمَ - (لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى) رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
العجمي خلاف العربي وقد يحسن اللغة العربية، أمّا الأعجمي فهو من كان في لسانه عجمة عند نطقه باللغة العربية وَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا وإن أفصح بالعجمية كالعربي الذي يعيش في بلاد العجم.
ثمَّ يأتِ شخصًا ما أُصيبَ بدوارٍ برأسهِ يركض علىٰ الأطباء، ويدعو اللهَ ليلَ نهار، ويُناجيه ليشفيه!
وإذا أُصيبَ بحادثةٍ ما قَد يعاقُ فيها إحدىٰ أجزاءُ جسده يسأم، وييأس، ويفزع، ويخشىٰ النوم، ويَهبُ مالهُ للشفاءِ منها، ومِن ثمَّ إذا رأىٰ غيرهُ معاقًا بشيء وهو معافىٰ فإذ به يضحكُ عليه، وينعته بما لا يحبّ أن يسمع.
أوجهُ رسالتي لمن يتحدث وهو غير قَادرٍ علىٰ:
أن يعيد للكفيفِ بصره، وللمريضِ عافيته، وللأبكمِ سمعه، وللأصمّ نطقه، لِمن لا يستطيع إعادةُ الحركة لِمن فقدها، وإعادة ولو شيئًا بسيطًا فقدَه غيره!
ربَّما لا نستطيع أن نشفي مريض، أو نجعل أبكمًا يتحدث، أو مَن يقول علىٰ الراء غينًا، وعلى السينِ شينًا، لكن باستطاعتنا أن نهوّنَ عليهم أمرهم، ولا نُشعرهم أنهم يختلفونَ عنَّا بشيء، ولا نفَضِّلُ أنفسنا، أو نتفضَّل عليهم، ولا نعيبُ الناس بشيء والعيوب تملأنا، فلولا سترٌ من اللهِ لكنَّا عراة "فكُلنا لآدم، وآدمَ مِن تراب، فاتقوا اللهَ الذي إليهِ تُرجعون."
تعليقات
إرسال تعليق