نحيا اليوم ولا ندري ماذا بعده؟
يُضاعف الهم ولم نعلم مَن يحمله؟
تزداد الأوجاع ولا نعلم مَن مُهلكنا؟
يأتي الغد ولا نرىٰ كم متوفيًا؟
فالدهر يجري ونجري معه؛ فإن توقفنا عن الجري هوَ لم يقف.
راقدة في الفراش كعصفورًا وضعته أمهُ من رَحِمها؛ ليقع في عِشها علىٰ غصن الشجرة، تعجز عن الحركة، والتحدث بما يراودها مِن أسئلة، كيف لِلزمان أن يحدث به فجوة زمنية هكذا؟
أرقد كطفل بملامح كهل انتهىٰ به المطاف لِرقوده بنزاع فوق فراشه، لحظات بسيطة تمر علىٰ ذاكرتي التي بدأت تضعف، وتتأكل، أين الفتاة التي كانت تملئ المكان الجالسة فيه بالبهجة، والفرح؟
أين الفتاة التي تهتم بجدتها العجوز؟ أين هي؟
فهي مَن أصبحتْ الآن عجوزًا، وتبحث علىٰ مَن يهتم بها، أين الجميلة التي كانت تتباهىٰ بجمالها؟
هي مَن رسمت الشيخوخة علىٰ وجهها خطوط عديدة؛ لتجعل ملامحها باهتة لا حياة فيها، أين تلك الشابة المشاكسة التي كانت تداعب أصدقائها، وأهلها؟
الآن أين أهلها، وأصدقائها؟
مرتْ تلكَ السنوات علىٰ الطفلة، ثم الشابة، ثم العجوز في صورة انتظارها للغد، انتظارها للساعة المقبلة؛ حتىٰ تفعل شيئًا هامًا، مرتْ ولم تدري ماذا فعلت حتىٰ؟
وضعت أفكارها علىٰ الوسادة كالعادة، ثم جاءت لِتنهض طالبة للماء، ما مِن أحد بجانبها لِيعطي لها تلكَ الزجاجة الملقاة علىٰ بُعد خمسة سنتي مِن طول ذراعها! ما مِن أحد يسمع صوتها المعدوم! انتهىٰ بها المطاف لِلاستسلام، والرقود مجددًا علىٰ الفراش الذي استقبل دمعة حارة تحمل الكثير، والكتير مِن الألم، فهل يأتي الآن منقذًا لِخلايا المخ مِن الظمأ؟ فهل يشعر بها أحدهم الآن مثلما كانت تشعر بجدتها العجوز قديمًا؟
فسلامًا علىٰ امرئ قد حسب نفسه مقيم فيها، تتطايرت أمام عينيها صورتها وهي تُناول جدتها الماء عندمًا سمعتها تنادي في حلمها؛ فاستيقظت لِتراها تحاول التقاط الزجاجة مِن جوارها بصعوبة؛ لتستفيق بفزع، وتجري عليها، وتعدل مِن جلستها المائلة، وتناولها الماء، ثم تسندها لتنام وهي تدلك علىٰ رأسها بحنية، وتقضي باقي الليلة مستيقظة بجانبها؛ لتقطع حبل أفكارها فتاة صغيرة ذو الثمان سنوات، تدخل بابتسامة مشرقة، وتجري عليها بلهفة؛ لترىٰ دموعها تنزل بغزارة وهي منكمشة علىٰ نفسها كالطفل الذي ضرب أخاه وتخبئ خوفًا مِن والده؛ فسارعتْ بمسح دموعها، ثم أخذتْ الزجاجة لتناولها منها بعض قطرات الماء التي روتْ جفاف قلبها الوحيد، ابتسمت العجوز لتلكَ الصغيرة، ثم تبادلتْ معها الابتسامة، وأخذتْ تدردش معها، والعجوز تبتسم تارة وتضحك تارة أخرىٰ، وتنتهي بذلكَ الوداع الحار مِن الصغيرة، واحتضانها لها بقوة، ثم تخرج؛ لتترك العجوز مبتسمة، والابتسامة ترفض الزوال مِن ثغرها، ثم تمدد حبل الذكريات إلا أن وصل لذلكَ اليوم التي كانتْ مُنكمشة في أخر الغرفة؛ خوفًا مِن تلكَ الحركات التي كانت تفعلها جدتها؛ لتهب واقفة علىٰ صوت صراخ ملئ غرفة العجوز، ودموع تودعها، وقبلات مِن الصغار، وهي مازالتْ منكمشة علىٰ نفسها، وخائفة علىٰ جدتها أن يمسها سوء مِن كل هؤلاء الناس، ابتسمتْ العجوز، ثم وضعتْ رأسها علىٰ الوسادة للمرة الاخيرة، وفجأة اختفتْ الابتسامة مِن علىٰ ثغرها.
فيا مَن ظن أن الحياة دائمة؛ فأنظر إلىٰ عجوز البيت، وأعلم أنها فانية.
جامد يا هيفار🖤🖤
ردحذف